١٨‏/٣‏/٢٠٠٨

أخطبوط الخوف

الخوف هو مرجعية لكثير من السلوك الإنساني.. فهو الدرع الذي قد نحمي به وجودنا.

تـتـفق كل الفئات في أسباب الخوف و لكن تختـلف في إدراكه وكذلك في إستـدراكه.

فما أن يشعر الفرد بجمرات الخوف و قد بدأت تستعر في جوفه حتى تسارع دفاعاته لإطفائها.

لماذا و متى و كيف.. هنا تكون الإختلافات


الشعور بالخوف يشبه كثيرًا الشعور بالحب.. إنه ذلك الثـقـل الذى يطغى على صدرك فهذه روحك تصّعـّد إلى السماء.. و هذا قلبك و هذه رئـتـاك قد انشغلوا عن أعمالهم بشىء آخر.

لا شك إن القوة الحقيقية لأي إنسان تـُقـاس بعدد مسببـات الخوف لديه.. فكلما زادت تلك المسببات ذاب هيكل قوته المصنوع من الثلج.

الخوف من الموت.. الخوف من الفـقـر.. الخوف من العجز.. الخوف من المجهول.. الخوف من فقدان الأحبة.. خوف الظالم من المظلوم.. لا حصر للأسباب.

قد يكون سبب الخوف حقيقى ولكنه غالبـًا ما يكون ظن.. أو بمعنى أدق.. سوء ظن.

تقف المرأة أمام المرآة تـتـحسس وجهها.. يا ويلتي لقد ولى جمالي .. تـتـراجع لتصتدم جالسة على سريرها.. و هذا زوجي قد تركني و رحل عن الدنيا.. تسمع صوت ولدها الوحيد و هو ينادي على زوجته.. وهذه قد جاءت لتأخذ ولدي مني.. لم يتبقى لي شيء.. تضع رأسها على وسادتها.. تـتـسارع الظنون فتتولد ريح لتشتعل جمرات الخوف في صدرها.. سأكون وحيدة.. حتى أطرافي ستـتـخلى عني.. يزداد صدرها ضيقـا فأنفاسها بالكاد تمر.. و فجأة.. تـنـفجر القوة بداخلها و تغلي الدماء في رأسها و أنفاسها تلاحق بعضها البعض.. كلا.. هذا هو ولدي أنا.. لن أتركها تأخذه منى.. تـبـًا لها.


الخوف.. نبتة شيطانية.. ما أن تـُلقى على الأرض حتى تتسارع فروعها إلى الوجود.. القلق.. الكراهية.. الخزلان.. الكذب.. الخيانة.. الإستسلام.. اليأس.. لا حصر لتلك الفروع الملتـفة المتشابكة.

و لكن كيف تسلل سائل الخوف إلى العروق في بادىء الأمر؟..

إنها اللحظة التي يتيقن فيها الإنسان بأنه وحيد.. فهذه النهاية تقترب وقد عاد كالطفل الذى ولدته أمه.. عاري لا حول له و لا قوة.. و السوء سيقع لا محالة

كل الكائنات لا تخاف من شىء.. إلا الموت.. بل قد يخاف منها الموت و هي تدافع عن صغارها.

أتكون هذه الكائنات على علم بما يخفى عن الكثير من الناس؟

إنه الله.. نعم.. الله

قد نستهين بعقل النملة أو الطير و ما سواهما .. إلا ان نفوسهم لا تدرك وجود الله فحسب.. و لكن أيضـًا تدرك قدرته إدراك مستمر و متواصل.

إن الإدراك المتواصل بوجود الله و قدرته يبدل الخوف من الغيب الآتي إلى قوة و ثبات في الحاضر الموجود

فالنهاية تصبح لا نهاية.. حتى الموت يتحول إلى فصل في المسرحية الأبدية للوجود.

....................................

هناك ١٠ تعليقات:

حـنــّا السكران يقول...

أعجبتني جدا هذه القراءة الفلسفية الذكية ..لقد أجدت في استعراض هذه المشاعر الإنسانية المؤثرة جدا و بشكل مباشر و كبير في حياة الانسان ..أتفق مع قراءتك هذه كثيرا .

أعتقد أن الخوف ..و الحب ..و الكره .. هي مشاعر شخصيته بطريقة معينة و ترسمها الى حد كبير .
تحياتي لك ,,و يعطيك العافية على هذا المقال الرائع .

حـنــّا السكران يقول...

اعتذر .. ورد خطأ في التعليق :

كنت أريد القول :

أن اللخزف ..و الحب ..و الكره ..هي مشاعر تحدد شخصية الإنسان بطريقة معينة و ترسمها إلى حد كبير ..أقصد طباعه أيضا .

hamssah يقول...

صديقي الهدهد
كلمات صادقه معبرة واقعيه جدا
تسلسل منطقي وسليم للافكار
ونهايه حتميه للمقدمات
فعلا ساعات الواحد يشعر بالخوف حتى ولو من لا شيء
ولكن في النهايه يبقى ذكر الله يطمئن القلوب ويهدي الانفس
مدونه هايله
متابعه
همسه

الهدهد الطائر يقول...

حنّا السكران
-------------

يبدو يا عزيزي أن هناك الكثير من نقاط الإتفاق.. فهي حالة من أثنتين:
اما انك تفقه لغو الهدهد..
و اما اني اشاركك كأس الحياة..
فكلانا في الحقيقة سكارا

الهدهد الطائر يقول...

همسة:
-----

ما أسعدني أنا الهدهد بهذه الصداقة.
فعلا.. كلامك صحيح..
و أَضيف.. أن الشعور بالخوف هو مؤشر لخلل قد حدث و خلل أكبر سوف يحدث.

في انتظار الزيارة القادمة

هاني النجار يقول...

الخوف هو أكبر أعداء الإنسان
إلا الخوف الله تعالى
حتى أن الخوف من الفشل كثيراً ما يؤدي إلى الفشل
لهذا قالوا فاز باللذة كل جسور

عرض رائع لموضوع ضخم .. ومبدع كالعادة

الهدهد الطائر يقول...

المهاجر
-------
لقد كنت في أنتظار تعليقك.

صدقت.. اللى يخاف من العفريت يطلعله!!

أما الخوف من الله.. أنا أرى بأننا يجب أن نخاف من غضب الله..
فإذا ما وصلنا إلى محبة الله يكون الخوف خشية
فإذا ما أحببت فانك تخشى فعل ما لا يرضيه عنك .. فهذا هو عهد الأحبة

في أنتظار جديدك..

Mafrousa يقول...

مدونة جميلة و اسلوب أجمل و نظرة إن تبدو فى اولها بالخوف و لكن تنتهى بالأمان.... لو الناس فهمت ما بين السطور ... لن تخاف ...عليها بالإخلاص و بس..فى كل شىء .العمل ... العبادة...وحينها سوف يتبدل الخوف الى امان و رضا.. لان عدم الرضا هو مفتاح باب الخوف فى حياتنا

الهدهد الطائر يقول...

واحدة مفروسة
-------------
الهدهد يرحب بك دائما

أتفق معك.. فمن لا يرى في نفسه غير الضعف لا يرضى بما بين يديه.. ظنـًا منه أن ما به من ضعف سيتوارى بزايدة الكم
انما لو امعن في الأمر سيعلم ان كل ما عليه هو العمل على تحسين الكيـِف والذى بالضرورة سيؤدي إلى زيادة الكم.

زيارة أولى و لا يجب أن تكون الأخيرة..

Mafrousa يقول...

ممكن اسال ايه اللى حصل لمدونة mabbion